عبد الوهاب الشعراني
247
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )
ثم جاءني الخضر عليه السلام بعد أيام « 1 » وقال لي يا علي أخرج إلى الناس ينتفعوا بك فتثبت في أمرى ثم رأيت أبا بكر الصديق رضي اللّه عنه في النوم فقال لي كمقالة لخضر عليه السلام فاستيقظت وتثبت في أمرى ثم رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الليلة الثالثة فقال لي كمقالة الصديق رضي اللّه عنه فاستيقظت وعزت على الخروج ونمت في آخر الليل في ليلتي تلك فرأيت الحق جل وعلا فقال لي يا عبدي قد جعلتك من صفوتي في أرضى وأيدتك في جميع أحوالك بروح منى وأقمتك رحمة لخلقى فأخرج إليهم وأحكم فيهم بما علمتك من حكمي وأظهر لهم بما أيدتك به من آياتي فاستيقظت وخرجت إلى الناس فهرعوا إلى من كل جانب رضي اللّه عنه . ومن كلامه رضى اللّه تعالى عنه : معرفة اللّه عز وجلّ عزيزة لا تدرك بالعقل بل يقتبس أصلها من الشرع ثم تتفرغ حقائقها على قدر القرب فقوم عرفوه بالوحدانية فاستراحوا إلى الصمدانية ، وقوم عرفوه بالقدرة فتحيروا ، وقوم عرفوه بالعظمة فوقفوا على أقدام الدهشة وأيقنوا أنه لن يدرك أحد عينه ، وقوم عرفوه بعزة الإلهية فتنزهوا عن الكيفية والماهية ، وقوم عرفوه بصنائعه واستدلوا عليه ببدائعه ، فشاهدوه بإبداعه وصنعه ورأوه في إعطائه ومنه وقوم عرفوه بالتكوين ، فعرفوه بالثبات والتمكين ، وقوم عرفوه بلا غيرا فأراهم من آياته ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر . وكان رضي اللّه عنه يقول من أحبه الحق وأراده أسكن في قلبه الإرادة ، فالمريد محب طالب والشوق لقلبه غالب والتوق للبه سالب والمراد محبوب مطلوب مأخوذ مسلوب إلى الجناب مجذوب قد ظهر عليه الشوق وغلب إذ قد وجد ما طلب قد قطع الطريق وطواها وأزال نفسه ونحاها ومحاها ومحا الأكوان من نظره فما يراها وكان رضي اللّه عنه يقول الزاهد فريضة وفضيلة وقربة فالفريضة في الحرام والفضيلة في المتشابه والقربة في الحلال والزهد أعظم من الورع لأن الورع إبقاء والزهد قطع الكل وكان رضي اللّه عنه يقول علامة الإخلاص أن يغيب عنك الخلق في مشاهدة الحق ، وكان يقول بقاء الأبد في فنائك عنك وكان يقول من سكن بسره إلى غير اللّه تعالى نزع اللّه تعالى
--> ( 1 ) ربما كان ذلك في منامه كما حكي سيدنا أبي بكر رضي اللّه عنه ، لأن الخضر كان أيام سيدنا موسى عليه السلام ولا تصور أحد أن يعيش حتى هذه الأيام فرؤية الخضر إما أن تكون مناما ، أو بنور القلب .